أبي منصور الماتريدي

409

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

باختيارهم الكفر - بين أطباق النار ؛ فذلك هو الخسران المبين . وقوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . يحتمل وجوها : « كيف » : من أين ظهرت لكم الحجة أن تعبدوا من دون الله من الأصنام وغيرها أنه حق ، ولم يظهر لكم منها الإنشاء بعد الموت ، ولا الإماتة بعد الإحياء ؟ وقيل « 1 » : كيف تكفرون بالبعث بعد الموت وَكُنْتُمْ أَمْواتاً يعنى نطفا فَأَحْياكُمْ ، وأنتم لا تنكرون إنشاء الأول فكيف تنكرون البعث والإحياء بعد الموت ؟ وقيل : كيف تكفرون بالإحياء والبعث بعد الموت ، وفي العقل أن خلق الخلق للإفناء والإماتة من غير قصد العاقبة عبث ولعب ؛ لأن كل بان بنى للنقض فهو عابث ، وكذلك كل ساع فيما لا عاقبة له فهو عابث هازل ، فكيف تجعلون فعله عزّ وجل ؛ إذ لو لم يجعل للخلق دارا للجزاء ، والعقاب كان في خلقه إياهم عابثا هازلا خارجا من الحكمة ؟ ! تعالى عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . وقوله : ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . أي : تعلمون أنكم ترجعون إليه ، وكذلك المصير والمآب . والثاني : ترجعون إلى ما أعدّ لكم من العذاب . احتج عليهم بما أخبرهم الله أنه أنشأهم بعد الموتة الأولى ، وأنه يبعثهم بعد الموتة الأخرى ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ كأنه يقول : ثم اعلموا أنكم إليه ترجعون . قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً . قيل : إنه صلة قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً أي : كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأرض ما يدلكم على وحدانيته ؛ لأنه ليس شئ من الأرض إلا وفيه دلالة وحدانيته . ويحتمل : كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأرض نعيما من غير أن كان وجب لكم عليه حق من ذلك لتشكروا له عليها ، فكيف وجّهتم أنتم الشكر فيها إلى غيره ؟ ويحتمل خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ : محنة يمتحنكم بها في الدنيا ؛ كقوله : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الملك : 2 ] ثم لتجزون في دار أخرى فكيف أنكرتم البعث ؟ !

--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 1 / 59 ) .